عبد الكريم الخطيب

706

التفسير القرآنى للقرآن

منها حجر على حجر ، بل إن هذه الأحجار تتحول إلى ذرات تذروها الرياح كأنها العهن المنفوش . فقوله تعالى : « وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا » أي طحنت طحنا . وقوله تعالى « فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا » أي صارت ذرات منتثرة في الفضاء ، كالغبار المتطاير مع الرياح . . هذا ، وقد قلنا في أكثر من موضع إن هذا التبدل الذي يبدو من عوالم الوجود وكائناته ، إنما هو لتبدّل موقف الإنسان من هذه العوالم ، ولما تحدث من اختلاف بعيد بين معطيات جوارحه في الدنيا ، ومعطياتها في الآخرة ، حيث تنكشف له حقائق الموجودات . . إنّ الإنسان في هذه الدنيا يرى من الأمور ظواهرها ، وظلالها ، ولكنه في الآخرة يرى صميمها وحقيقتها . . فرجّ الأرض رجّا ، هو ما تراه العين يوم القيامة ، من وضع الأرض ، حيث تبدو على حقيقتها ، كرة معلقة في الفضاء ، تجرى في سرعة عظيمة ، أشبه « بالبالونة » بين يدي الريح . وبثّ الجبال بثّا ، حتى تكون كالهباء المنبث ، المنتشر ، هو ما تراه العين من الجبال . على مدى بعيد منها ، حيث تبدو الجبال ، وكأنها في صغرها الهباء المبثوث . وقوله تعالى : « وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً » إشارة إلى ما يكون عليه الناس يومئذ ، وهو أنهم يتناثرون ، ويتفرقون فرقا ثلاثا ، كل فرقة تجتمع إلى بعضها أزواجا ، جن وإنس ، أو ذكر وأنثى . قوله تعالى : « فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ » .